ابن عبد الرحمن الملطي
36
التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع
واحتجوا بقول الله عز وجل : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) [ 63 ] . فقالوا : الكافر وحده لا يغفر له ، وما دون الكفر مغفور لأهله ، ورووا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ، وإن زنى ، وسرق ، وقتل » وأنا أذكر دليل هذا في جزء الحجاج إن شاء الله . وينبغي أن يقول لهم : أخبرونا عن الإيمان : ما هو ؟ فإن قالوا : « لا ندري » سقطت مواربة كلامهم ، وصاروا بمنزلة من يقول الشيء على الجهل ، والجاهل لا حجة له . وإن قالوا : « الإيمان هو الإقرار » فقد صدقوا ، يقال لهم : فالإقرار يكون باللسان أو بالقلب ؟ فإن قالوا « باللسان فقط » يقال لهم : فالمنافقون الذين أقروا بألسنتهم ، وأسرّوا الشرك أهو شيء صح لهم الإيمان إذا أقروا بألسنتهم والإيمان عندكم إقرار باللسان . فإن قالوا : « هؤلاء أقروا بألسنتهم وأسروا هذه فلم يصح إيمانهم » نقضوا قولهم لأنهم قد اعترفوا أن القول باللسان لا يصح ، إلا مع إقرار بالقلب ، وإن شك القلب ببعض إقرار اللسان فيجب عليهم حينئذ أن يقولوا : الإيمان قول باللسان القرار بالقلب ، والإقرار بالقلب عمل ، بل هو أصل كل الأعمال التي بالجوارح لأن الجوارح عن القلب تصدر وإذا كان كذلك فقد وجب أن يقول إن الإيمان قول وعمل ، وينقضوا أصلهم أن الإيمان قول بلا عمل . وأيضا إذا أقروا أن الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب لزمتهم أن يقولوا وعمل بالجوارح فإن أبوا أن يقولوا ذلك ردوا إلى الكلام الأول فبان جهلهم ، وإن أجازوا ذلك تركوا قولهم وقالوا : « الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب ، وعمل بالجوارح يزيد وينقص » . وهذا هو الخلق لا يجوز غيره . ويقال لهم أيضا : أخبرونا افترض الله على عباده فرائض فيها أمر ونهى ، فإن قالوا : « لا جهلوا وكابروا » . وإن قالوا : « نعم » قيل لهم : فما تقولون فيمن أدى إلى الله ما أمر به وانتهى عما نهاه ؟ أهو كمن عصاه في أمره ونهيه ؟ فإن قالوا : « هما سواء عند الله وعندنا » جعلوا المعصية كالطاعة والطاعة كالمعصية ، وهذا جهل وكفر ممن قاله وإن قالوا : « الطاعة غير المعصية وليس من أطاع الله في أمره ونهيه كمن